صديق الحسيني القنوجي البخاري

518

فتح البيان في مقاصد القرآن

وبالثاني مجاهد ، وقال قتادة : هي من قول اللّه سبحانه و ( ما ) في ما وَعَدَ موصولة وعائدها محذوف ، أي هذا الذي وعده الرحمن . وَصَدَقَ فيه الْمُرْسَلُونَ قد حق عليكم ونزل بكم ، ومفعولا الوعد والصدق محذوفان ، أي وعدكموه الرحمن وصدقكموه المرسلون ، والأصل وعدكم به وصدقكم فيه أو وعدناه الرحمن وصدقناه المرسلون ، على أن هذا من قول المؤمنين أو من قول الكفار أقروا حين لا ينفعهم الإقرار . إِنْ أي ما كانَتْ تلك النفخة الثانية التي حكيت عنهم آنفا إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاحها إسرافيل بنفخه في الصور فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ أي فإذا هم مجموعون محضرون لدينا بسرعة للحساب والعقاب . فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ من النفوس شَيْئاً مما تستحقه أي لا ينقص من ثواب عملها شيئا من النقص ، ولا تظلم فيه بنوع من أنواع الظلم ، وهذا حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب المعد لهم تحقيقا للحق وتقريعا لهم . وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا أو إلا بما كنتم تعملونه أي بسببه أو في مقابلته ، ولما ذكر اللّه سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين ، وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ زيادة لحسرتهم ، وتكميلا لجزعهم ، وتتميما لما نزل بهم من البلاء . وما شاهدوه من الشقاء ، فإذا رأوا ما أعد اللّه لهم من العذاب وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم بلغ ذلك من قلوبهم مبلغا عظيما ، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 55 إلى 56 ] إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ لما هم فيه من اللذات التي هي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، عن الاهتمام بأمر الكفار ومصيرهم إلى النار ، وإن كانوا من قراباتهم ، والأولى عدم تخصيص الشغل بشيء معين والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه عن شؤونه ، لكونه أهم عنده من الكل ، إما لإيجابه كمال المسرة والبهجة ، أو كمال المساءة والغم ، والمراد هنا هو الأول وما فيه من التنكير والإبهام للإيذان بارتفاعه عن رتبة البيان . وقال قتادة ومجاهد : شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى وبه قال ابن عباس وابن مسعود وعكرمة ، وعن ابن عمر : « أن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء » وقد روي نحوه مرفوعا ، وعن ابن عباس أيضا قال في ضرب الأوتار ، وقال أبو